ويجوز أن يكون التقدير: مولاهم حَقًّا لَا مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا، أَيْ أَعْنِي الْحَقَّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ (الْحَقُّ) ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى مَوْلَاهُمُ الْحَقُّ - عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ وَالْقَطْعِ مِمَّا قَبْلُ - لَا مَا يُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ.
وَوَصَفَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ بِالْحَقِّ لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْهُ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْعَدْلِ لِأَنَّ الْعَدْلَ مِنْهُ، أَيْ كُلُّ عَدْلٍ وَحَقٍّ فَمِنْ قِبَلِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (مولاهم بالحق) أي الذي يجازيهم بالحق.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ قَالَ (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ.
قِيلَ: لَيْسَ بِمَوْلَاهُمْ فِي النُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ وَهُوَ مَوْلًى لَهُمْ فِي الرِّزْقِ وَإِدْرَارِ النعم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا)
بِمَعْنَى كَأَنَّهُمْ خُفِّفَتْ، أَيْ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَثُوا فِي قُبُورِهِمْ.
(إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ) أَيْ قَدْرَ سَاعَةٍ: يَعْنِي أَنَّهُمُ اسْتَقْصَرُوا طُولَ مُقَامِهِمْ فِي الْقُبُورِ لِهَوْلِ مَا يَرَوْنَ مِنَ الْبَعْثِ، دَلِيلُهُ قولهم: (لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) [الكهف: 19] .
وَقِيلَ: إِنَّمَا قَصُرَتْ مُدَّةُ لُبْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ هَوْلِ مَا اسْتَقْبَلُوا لَا مُدَّةَ كَوْنِهِمْ فِي الْقَبْرِ.
ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَوْا أَنَّ طُولَ أَعْمَارِهِمْ فِي مُقَابَلَةِ الْخُلُودِ كَسَاعَةٍ.
(يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ) فِي مَوْضِعِ نُصْبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي (يَحْشُرُهُمْ) .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ فَهُمْ يَتَعَارَفُونَ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَعْرِفَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا إِذَا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، وَهَذَا التَّعَارُفُ تَعَارُفُ تَوْبِيخٍ وَافْتِضَاحٍ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَنْتَ أَضْلَلْتَنِي وَأَغْوَيْتَنِي وَحَمَلْتَنِي على الكفر، وليس
تَعَارُفُ شَفَقَةٍ وَرَأْفَةٍ وَعَطْفٍ.