[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
سورة يونس
سورة يونس مكية، تشبه سورتى الأنعام والإسراء فِي موضوعها: وهو التعريف بالله عن طريق النظر فِي ملكوته، والتأمل فِي خلقه. وعندي أن الأسلوب المكي الذي اتجه أول ما اتجه إلى الوثنيين قدير على تحريك العقل، وإشعال الفكر الخامد، ودفع الناس بقوة إلى ربهم. والاعتماد عليه، يصلح عند مخاطبة العلمانيين والماديين وأحزاب الملاحدة الأخرى. إن من خصائص القرآن العامة فِي طوريه المكي والمدنى أنه كتاب إنسانى يهيب بالبشر أن يصحوا من غفلاتهم، ويتعرفوا على ربهم ويستعدوا للقائه. ورعاية مقتضى الحال جعلته يناقش الكتابيين فيما أثاروا من قضايا واختلقوا من بدع، وذلك ظهر جليا فِي الطور المدنى. أما عبدة الأصنام فإن المنطق الحي كان يسيطر عليهم، والعمل للدنيا وحدها هو ما يشغلهم! وهذه أمراض تشبه ما وفدت به الحضارة الحديثة، فإن الناس فِي أوروبا وأمريكا - وحيث امتدت هذه الحضارة - لا يهتمون بالله ولا بلقائه. والأديان القديمة لا تترك فِي نفوسهم أثرا ذا بال، إنهم يعبدون الحياة وحسب ويتركون لرجال الكهنوت مكانا يتحركون فيه حسب مواريثهم التي يؤمنون بها، وهي مواريث قلما تؤمن بمنطق العقل والعدل ... ومن المضحك أن أحد سماسرة الفكر الاستشراقى زعم أن الأسلوب المكي عاطفى، وأن المدنى عقلاني، لأنه تأثر بالجو العلمي عند أهل الكتاب. فلما أراد الاستدلال على المنطق العلمي للقرآن المدنى جاء بآية مما نزل بمكة المكرمة!! جاء بقوله تعالى:"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون"! فانظر إلى هذا الطمس ... والقرآن عموما يؤكد أن الوجود الأول الذي نعيش فيه تمهيد لوجود آخر سوف نبعث فيه، وأن