وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ مُعَامَلَةِ الْمُنَافِقِينَ بِظَاهِرِ إِسْلَامِهِمْ هُوَ أَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، فَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُهَا ، وَهُوَ الَّذِي يُجَازِي عَلَيْهَا ، وَلَا يُبَاحُ لِحَاكِمٍ وَلَا لِنَبِيٍّ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى إِنْسَانٍ بِأَنَّهُ يُسِرُّ الْكُفْرَ فِي نَفْسِهِ وَلَا أَنْ يَتَّهِمَهُ بِذَلِكَ وَيُعَاقِبَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَثْبُتُ الْكُفْرُ عَلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِإِقْرَارٍ صَرِيحٍ مِنْهُ ، أَوْ صُدُورِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ كَتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ أَوِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوْ جُحُودِ كَوْنِهِ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ ; وَالشِّرْكِ بِاللهِ بِدُعَاءِ غَيْرِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ تَأْوِيلٌ ، كَجُحُودِ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ ، أَوِ اسْتِحْلَالِ الزِّنَى وَالرِّبَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ .
وَأَمَّا حِكْمَةُ ذَلِكَ وَفَائِدَتُهُ فَهِيَ أَنَّ مَنْ يَلْتَزِمُ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ إِيمَانٍ يَقِينِيٍّ فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ - بِطُولِ الْعَمَلِ - أَنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِلْإِيمَانِ وَيَطْمَئِنَّ بِهِ قَلْبُهُ ، وَيُوقِنَ بِهِ عَقْلُهُ ، وَإِلَّا كَانَتِ اسْتِفَادَتُهُ وَإِفَادَتُهُ لِلْأُمَّةِ دُنْيَوِيَّةً فَقَطْ .
(فَإِنْ قِيلَ) إِنَّ مُقْتَضَى حُرِّيَّةِ الدِّينِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا الْإِسْلَامُ فِي مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ - إِذْ