وَقَدْ قَصَّ اللهُ عَلَيْنَا فِي سُورَةِ الْحَشْرِ مَا كَانَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْإِخَاءِ وَالْوَلَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا ، عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ ظَاهَرُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَفُوا لِلْيَهُودِ بِمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ مِنْ نَصْرِهِمْ إِذَا هُمْ أَظْهَرُوا عَدَاوَتَهُمْ ; لِأَنَّ الْمُنَافِقَ الْقُحَّ دُونَ الْمُتَدَيِّنِ الْكَافِرِ هِمَّةً وَشَرَفًا وَخُلُقًا . قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) (59: 11 و12) .
كَانَ سَبَبُ مُعَاهَدَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْيَهُودِ وَإِقْرَارِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى دِينِهِمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ حُرِّيَّةٍ وَعَدْلٍ ، وَدَعْوَتُهُ قَائِمَةٌ عَلَى الْبُرْهَانِ وَالْحُجَّةِ ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْذِ أَوْلَادِهِمُ الَّذِينَ تَهَوَّدُوا وَانْضَمُّوا إِلَى الْيَهُودِ بِالْقُوَّةِ ، وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُخَيِّرُوهُمْ إِذْ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)