{لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة}
لما تقدم الكلام في أحوال المنافقين من تخلفهم عن غزوة تبوك، واستطرد إلى تقسيم المنافقين إلى أعراب وغيرهم، وذكر ما فعلوا من مسجد الضرار، وذكر مبايعة المؤمنين الله في الجهاد وأثنى عليهم، وأنه ينبغي أن يباينوا المشركين حتى الذين ماتوا منهم بترك الاستغفار لهم، عاد إلى ذكر ما بقي من أحوال غزوة تبوك، وهذه شنشنة كلام العرب يشرعون في شيء ثم يذكرون بعده أشياء مناسبة ويطيلون فيها، ثم يعودون إلى ذلك الشيء الذي كانوا شرعوا فيه.
قال ابن عطية: التوبة من الله رجوعه لعبده من حالة إلى حالة أرفع منه، وقد يكون في الأكثر رجوعاً عن حالة المعصية إلى حالة الطاعة، وقد يكون رجوعاً من حالة طاعة إلى أكمل منها.
وهذه توبته في هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وسلم) ، لأنه رجع به من حالة قبل تحصيل الغزوة وتحمل مشاقها، إلى حاله بعد ذلك أكمل منها.
وأما توبته على المهاجرين والأنصار فحالها معرضة لأنْ تكون من نقصان إلى طاعة وجد في الغزو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق فرجوع من حالة محطوطة إلى حالة غفران ورضا.
وقال الزمخشري: تاب الله على النبي كقوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر} {واستغفر لذنبك} وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرون والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى، وأنّ صفة الأوابين صفة الأنبياء كما وصفهم بالصالحين لتظهر فضيلة الصلاح.
وقيل: معناه تاب الله عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه لقوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} انتهى.