{وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}
هذا فريق آخر عطف خبره على خبر الفرق الآخرين.
والمراد بهؤلاء من بقي من المخلَّفين لم يتب الله عليه، وكان أمرهم موقوفاً إلى أن يقضي الله بما يشاء.
وهؤلاء نفر ثلاثة، هم: كعب بن مالك، وهِلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وثلاثتهم قد تخلفوا عن غزوة تبوك.
ولم يكن تخلفهم نفاقاً ولا كراهية للجهاد ولكنهم شُغلوا عند خروج الجيش وهم يحسبون أنهم يلحقونه وانقضت الأيام وأيسوا من اللحاق.
وسأل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك.
فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم أتوه وصَدَقوه، فلم يكلمهم، ونهى المسلمين عن كلامهم ومخالطتهم، وأمرهم باعتزال نسائهم، فامتثلوا وبقُوا كذلك خمسين ليلة، فهم في تلك المدة مُرْجَون لأمر الله.
وفي تلك المدة نزلت هذه الآية {ثم تاب الله عليهم} [المائدة: 71] .
وأنزل فيهم قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 117 119] .
وعن كعب بن مالك في قصته هذه حديث طويل أغر في"صحيح البخاري".
على التوبة والتنبيه إلى فتح بابها.
وقد جوز المفسرون عود ضمير {ألم يعلموا} [التوبة: 104] إلى الفريقين اللذين أشرنا إليهما.
وقوله: {هو يقبل التوبة} [التوبة: 104] (هو) ضمير فصل مفيد لتأكيد الخبر.
و {عن عباده} [التوبة: 104] متعلقة بـ {يقبل} لتضمنه معنى يتجاوز، إشارة إلى أن قبول التوبة هو التجاوز عن المعاصي المتوب منها.
فكأنه قيل: يقبل التوبة ويتجاوز عن عباده.
وكان حق تعدية فعل (يقبل) أن يكون بحرف (من) .
ونقل الفخر عن القاضي عبد الجبار أنه قال: لعل (عن) أبلغ لأنه ينبئ عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت.
ولم يبين وجه ذلك، وأحسب أنه يريد ما أشرنا إليه من تضمين معنى التجاوز.