(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ فِي وَاقِعَةِ حَالٍ مِنْ مَكَايِدِ الْمُنَافِقِينَ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِلْمُؤْمِنِينَ، لَمْ أَرَ أَحَدًا بَيَّنَ حِكْمَةً خَاصَّةً لِتَأْخِيرِهَا عَنْ أَمْثَالِهَا مِمَّا نَزَلَ فِي أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ وَوَضْعِهَا هُنَا فِي سِيَاقِ تَوْبَةِ الْمُذْنِبِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا فَقُبِلَ، وَمَا تَأَخَّرَ فَأُرْجِئَ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْحِكْمَةَ الْعَامَّةَ فِي تَفْرِيقِ الْآيَاتِ فِي الْمَوْضُوعِ الْوَاحِدِ - وَهُوَ تَجْدِيدُ الذِّكْرَى وَالْعِظَةِ، وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنَ التَّأْثِيرِ وَالْعِبْرَةِ - فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى التَّنَاسُبِ وَوُجُوهِ الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْآيَاتِ. وَلَعَلَّ بَعْضَ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا قَدْ شَايَعُوا أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرَارِ فِي عَمَلِهِمْ جَاهِلِينَ مَقَاصِدَهُمْ مِنْهُ، فَأُرِيدَ بِوَضْعِ الْقِصَّةِ هُنَا وَإِبْهَامِ عَطْفِهَا عَلَى مَنْ أَرْجَأَ اللهُ الْحُكْمَ
فِي أَمْرِهِمْ، أَنْ يَتَّعِظَ أُولَئِكَ الْغَافِلُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَغْرُورِينَ بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ وَمُتَّخِذِيهِ، وَيَخَافُوا أَنْ يُؤَاخَذُوا بِمُشَايَعَتِهِمْ لَهُمْ، وَلَوْ بِصَلَاتِهِمْ مَعَهُمْ فِي مَسْجِدِهِمْ.
رُوِيَ أَنَّ مُجَمِّعَ بْنَ حَارِثَةَ كَانَ إِمَامَهُمْ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ فَكَلَّمَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَصْحَابُ مَسْجِدِ قُبَاءَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ بِأَنْ يَأْذَنَ لِمُجَمِّعٍ فَيَؤُمَّهُمْ فِي مَسْجِدِهِمْ، فَقَالَ: لَا وَلَا نِعْمَةَ عَيْنٍ، أَلَيْسَ بِإِمَامِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَوَاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ بِهِمْ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَا أَعْلَمُ مَا أَضْمَرُوا فِيهِ، وَلَوْ عَلِمْتُ مَا صَلَّيْتُ مَعَهُمْ فِيهِ، كُنْتُ غُلَامًا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ وَكَانُوا شُيُوخًا لَا يَقْرَءُونَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا. فَعَذَرَهُ وَصَدَّقَهُ وَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ بِقَوْمِهِ قَالَ تَعَالَى: