(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ ابْتِدَائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ السِّيَاقِ فِي جُمْلَتِهِ ، حُذِفَ خَبَرُهَا لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى قَوْلِهِ: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ) إِلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَهُوَ أَنَّهُ فِي الْمُنَافِقِينَ ، وَالْأَفْصَحُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ (الَّذِينَ) مَنْصُوبًا عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالذَّمِّ ، وَجَعْلُهُ مُحْتَمِلًا لِمَا ذُكِرَ وَلِغَيْرِهِ نَرَاهُ مِنَ الْإِبْهَامِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْبَلَاغَةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا مِنَ الْإِيهَامِ ، وَقَدْ قَرَّرَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ أَنَّ الْبَلَاغَةَ تَقْتَضِي أَحْيَانًا إِيرَادَ عِبَارَةٍ تَذْهَبُ النَّفْسُ فِي فَهْمِهَا عِدَّةَ مَذَاهِبَ مُحْتَمَلَةٍ فِيهَا . وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ الَّذِينَ بِغَيْرِ وَاوٍ . وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى قَوْلِ الْحَسَنِ مِنْهَا إِلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ حِكْمَةِ وَضْعِ الْآيَاتِ هُنَا أَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنْهُ فِي قِرَاءَةِ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ - فَتَأَمَّلْ .
ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا هَذَا الْمَسْجِدَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ مُنَافِقِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَسَمَّوْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الْأَغْرَاضَ الَّتِي بَنَوْهُ لِأَجْلِهَا أَرْبَعَةٌ ذُكِرَتْ مَنْصُوبَةً عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ وَهِيَ: