قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ... (111) }
قدم هنا الأنفس على الأموال، وقال فيها: يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فقدم الأموال، قال: وأجيب بوجهين:
الأول: أن الجهاد بالمال أخف على النفوس من الجهاد بالنفس، فسلك في الآية المتقدمة مسلك الترقي فيها، وأما هنا فلما ذكر اسم الجلالة قوبل بأشرف الأمور وأعزها وهي النفوس.
الثاني: أن كل أحد عنده نفس يجاهد فيها، وليس كل أحد عنده المال بل الأغلب كان في حقهم عدم الوجدان فبدأ بما هو الأغلب.
قوله تعالى: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) .
قال الزمخشري: وعد ثابت قد أثبته في التوراة والإنجيل*، كما أثبته في القرآن.
ابن عرفة: إن إرادته وعد صدق لَا يصح الخلاف فيه فما قاله حق؛ فإن أراد به أصل التفضيل، فهو بقوله: إنه واجب على قاعدته عقلا، ونحن نقول: إنه واجب
بإيجاب الله تعالى على جهة التفضل والإحسان لَا في مقابلة العمل إذ لَا يجب على الله شيء.
قوله تعالى: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) .
هذا مثل: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) فيقتضي نفي الأفضل ونفي المساوي.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ... (114) }
ابن عرفة: يؤخذ منه فائدتان أصوليتان. أحدهما: العمل بالقياس؛ لأنها اقتضت نفي ما يتوهم من القياس.
الثاني: إذ هداهم بطلان القياس لقيام الفارق.
قوله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ ...(115) ... أي ما كان الله ليحكم بإضلال قوم ضلوا بعد الهداية حتى يبين لهم ما يتقون؛ فإن ضلوا قبل البيان فإنه لا يحكم بإضلالهم شرعا، والزمخشري يقول: عقلا.
فإن قلت: ما أفاد قوله (بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ) وهل مفهومه مفهوم مخالفة أو موافقة، لكن قد يقال: إن الهداية هي بعثة الرسل. قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فإِن فهمت الهداية على ظاهر لم يكن مفهوم مخالفة؛ لأن من ضل بعد الهداية قد بينت له الطرق والدلائل.