فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 205818 من 466147

[من روائع الأبحاث]

ومن فوائد ولطائف ابن القيم:

وأما الصرف فقال تعالى: {وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} فأخبر سبحانه عن فعلهم، وهو الانصراف، وعن فعله فيهم، وهو صرف قلوبهم أن القرآن وتدبره، لأنهم ليسوا أهلا لها. فالمحل غير صالح ولا قابل.

فإن صلاحية المحل بشيئين: حسن فهم، وحسن قصد.

وهؤلاء قلوبهم لا تفقه، وقصودهم سيئة. وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل الإيمان بسببه إلى قلوبهم. فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجته فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم. ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم، يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم. هذا السماع الخاص، وهو الكبر التولي والإعراض. فالأول: مانع من الفهم. والثاني: مانع من الانقياد والإذعان.

فأفهامهم سيئة وقصودهم رديئة وهذه سمة الضلال وعلم الشقاء. كما أن سمة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح، وقصد صالح. والله المستعان.

وتأمل قوله سبحانه: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} كيف جعل هذه الجملة الثانية سواء كانت خبرا أو إعادة - عقوبة لانصرافهم فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول. فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لا قبالهم لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم الإقبال والإذعان، فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن. فجازاهم على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول، كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول، كما قال: {فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}

وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال إليه. ولتكن قصة إبليس منكر على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع. فإنه لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره وأصر على ذلك عاقبه بأن جعله داعيا إلى كل معصية. فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية وفروعها، صغيرها وكبيرها. وصار هذا الإعراض والكفر عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق. فمن عقاب السيئة السيئة بعدها. كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت