[من روائع الأبحاث]
قال الخطيب الإسكافي:
الآية الأولى منها
قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} وقال في سورة الفرقان: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ} .
للسائل أن يسأل عن تقديم: {يَضُرُّهُمْ} على: {يَنْفَعُهُمْ} في الآية الأولى وتقديم {يَنْفَعُهُمْ} على {يَضُرُّهُمْ} في الآية الثانية وهل صلح أحدهما مكان الآخر؟.
الجواب أن يقال: إنما قدم {يَضُرُّهُمْ} على {يَنْفَعُهُمْ} في الآية الأولى لأن العبادة تقام للمعبود خوفا من العقاب أولا ثم رجاء للثواب ثانيا وقد تقدم في هذا المكان ما أوجب تقديم {يَضُرُّهُمْ} على {يَنْفَعُهُمْ} في الآية الأولى وهو قوله: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فكأنه قال: ويعبدون من دون الله ما لا يخافون ضررا في معصيته ولا يرجون نفعا في عبادته، وقدم {مَا لَا يَضُرُّهُمْ} على ما {لَا يَنْفَعُهُمْ} في هذا المكان لهذا المعنى ولهذا اللفظ المتقدم وأما في سورة الفرقان فقد تقدمت قبلها آيات قدم فيها الأفضل على الأدون كقوله عز وجلّ: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} وقوله بعده: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} وصلة النسب أفضل من صلة المصاهرة كما أن العذب من الماء أفضل من الملح، وقال بعده {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ} أي: يتكلفون المشقة بعبادة ما لا يرجونه لنفع ولا يخشونه لضر، فقدم الأفضل على الأدون لهذا المعنى وللبناء على ما تقدم من الآيات فجاء في كل موضع على ما اقتضاه ما تقدمه وصح في المعنى الذي اعتمد له.