{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ}
شرع الله سبحانه في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد، ومن يؤمن به، وقدّم الطائفة التي لم تؤمن، لأن الكلام في هذه السورة مع الكفار الذين يعجبون مما لا عجب فيه، ويهملون النظر والتفكر فيما لا ينبغي إهماله مما هو مشاهد لكل حيّ طول حياته، فيتسبب عن إهمال النظر، والتفكر الصادق: عدم الإيمان بالمعاد، ومعنى الرجاء هنا الخوف، ومنه قول الشاعر:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوبٍ عواسلِ
وقيل {يرجون} : يطمعون.
ومنه قول الشاعر:
أترجو بني مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
فالمعنى على الأوّل: لا يخافون عقاباً.
وعلى الثاني: لا يطمعون في ثواب إذا لم يكن المراد باللقاء حقيقته، فإن كان المراد به حقيقته كان المعنى: لا يخافون رؤيتنا، أو لا يطمعون في رؤيتنا.
وقيل: المراد بالرجاء هنا: التوقع، فيدخل تحته الخوف والطمع، فيكون المعنى: {لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} لا يتوقعون لقاءنا، فهم لا يخافونه، ولا يطمعون فيه {وَرَضُواْ بالحياة الدنيا} أي: رضوا بها عرضاً عن الآخرة، فعملوا لها {واطمأنوا بِهَا} أي: سكنت أنفسهم إليها، وفرحوا بها {والذين هُمْ عَنْ ءاياتنا غافلون} لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون فيها {أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ} أي: مثواهم، ومكان إقامتهم النار، والإشارة إلى المتصفين بالصفات السابقة من عدم الرجاء، وحصول الرضا والاطمئنان، والغفلة {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: بسبب ما كانوا يكسبون من الكفر والتكذيب بالمعاد فهذا حال الذين لا يؤمنون بالمعاد.