قال - عليه الرحمة:
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ}
شَبّهَ الحياةَ الدنيا بالماء المُنَزَّلِ من السماء يَنْبُتُ به النباتُ وتَخْضَرُّ الأرضُ وتَظْهَرُ الثمار، ويوطِّن أربابُها عليها نفوسَهم فتصيبهم جائحةٌ سماوية بغتةً، وتصير كأن لم تكن.
كذلك الإنسانُ بعد كمال سنَّه وتمام قُوَّتِه واستجماع الخصال المحمودة فيه تخْتَرمُه المَنِيَّة، وكذلك أموره المنتظمةُ تبطل وتختلُّ لوفاته، كما قيل:
فَقَدْنَاه لمَّا تمَّ واختمَّ بالعُلَى ... كذاك كسوفُ البدرِ عند تمامه
ومن وجوه تشبيه الأحوال الدنيوية بالماء المُنَزَّلِ من السماء أن المطرَ لا ينزل بالحيلة، كذلك الدنيا لا تساعدها إلا القسمة.
ثم إن المطر إن كان لا يجيء إلا بالتقدير فقد يُسْتَسْقَى ... كذلك الرزق - وإنْ كان بالقسمة - فقد يُلْتَمَسُ من الله ويُسْتَعْطى.
ومنها أن الماء في موضعه سببُ حياة الناس، وفي غير موضعه سببُ خراب الموضع، كذلك المال لمستحقه سببُ سلامته، وانتفاع المتصلين به، وعند مَنْ لا يستحقه سبب طغيانِه، وسببُ بلاءِ مَنْ هو متصل به، كما قيل: يعمُ الله لا تُعاب ولكنه ربما استعجم على إنسان، وكما قيل:
يا دولةً ليس فيها من المعالي شظيَّةْ ... زولي فما أنتِ ألا على الكرام بَلِيَّةْ