وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ)
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صلة قوله: (قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) ، فيقول: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ) ؛ كقوله: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ) ، أي ما أتبع إلا ما يوحى إليَّ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن كفار قريش قالوا: إن محمدًا افترى هذا القرآن من عند نفسه ويقوله من نفسه، فقال: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ) أن يضاف إلى غيره أو يختلق.
(وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت من قبل، ولو كان مُحَمَّد هو الذي افتراه واختلقه من عند نفسه لكان خرج هو وسائر الكتب المتقدمة مختلفا، إذ لم يعرف مُحَمَّد سائر الكتب المتقدمة إذ كانت بغير لسانه، ولم يكن له اختلاف إلى من يعرفها ليتعلم، ثم خرج هو أعني القرآن مصدقا وموافقا لتلك الكتب؛ دل أنه من عند اللَّه جاء؛ كقوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ... ) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ)
يخرج على وجهين:
أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون اللَّه؛ لخروجه عن طوق البشر ووسعهم، فذلك بالذي يحيله كونه مفترى بجوهره.
والثاني: لما أودع فيه من الحكمة والصدق يدل على كونه من عند اللَّه؛ إذ كلام غيره يحتمل السفه والكذب ويحتمل الاختلاف.