فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 212378 من 466147

(باب في السرور بالحسنة والاغتمام بالسيئة)

قال الحَلِيمي:

وهو ما يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من سرته حسنة وساءته سيئة فهو مؤمن» .

عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان يقول: «اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا»

ومعنى هذا - والله أعلم - أن من عمل حسنة فسر أن وفقه الله تعالى لها ويسرها له حتى حصلت في ميزانه، فجلس كما يجلس الهناء فرحاً مسروراً بما يرجوه من رحمة الله وفضله.

أو عمل سيئة فساءه أن خلاه الله تعالى ونفسه حتى عمل بما سوأه له الشيطان، وجلس كما يجلس المصاب مهموماً كئيباً حياء من الله تعالى وخوفاً من مؤاخذته، فذاك دليل على صدق إيمانه وخلوص اعتقاده، فإن الثقة بالوعد والوعيد لا تكون إلا من قوة التصديق بالله ورسوله.

وقد جاء هذا التفسير عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - بلفظ موجز «إن المؤمن إذا عمل حسنة رجا ثوابها، وإذا عمل سيئة خاف عقابها» .

فأما من سرته حسنة من حيث يثني عليه وتذكر عنه، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أن رجلاً قال له: يا رسول الله، إني أعمل العمل أسر به فإذا اطلعت عليه سرني، فقال: «لك أجران أجر السر وأجر العلانية» .

وجاء في حديث آخر أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم: أحدنا يعمل العمل، فإذا اطلع عليه سره.

فقال: «ذلك عاجل بشرى المؤمن» .

وروى عبد الرحمن بن المهدي أنه قال: معناه.

فإذا اطلع عليه سرني ليقتدى بي ويعمل مثل عملي.

ليس أنه سره أن يذكره ويثني عليه، وإنما هو كقوله - صلى الله عليه وسلّم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» .

وكما روي أن رجلاً قام من الليل، رآه جار له، فقام يصلي فغفر للأول.

يعني أن الثاني لما أخذ عنه وتابعه.

وهذا محتمل ويحتمل غيره، وهو أنه إذا عمل خيراً سره أن يذكر به فيكون محموداً في الناس لا مذموماً.

ولا حمداً أبلغ من أن يقال: أنه قوام بحمد ربه، وليس هذا من المراءاة في شيء.

إنما المراءاة أن يعمل لخير لا يريد به وجه الله تعالى ولا يبتغي به مرضاته ولا ثوابه، إنما يريد أن يقول الناس هذا رجل خير.

فأما أن يعمل لله تعالى على الحقيقة ويسره أن يعلم الناس منه من عمل الله تعالى، فإن مدحوه مدحوه، وصلاحه لعبادة الله لا بغير ذلك، مما يمدح به الناس.

ويثني عليه به بعضهم على بعض من أمور الدنيا، فليس هذا من الرياء في شيء.

ألا ترى أن الله - عز وجل - ذم قوماً فقال: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} .

فدل على أن من أحب أن يمدح بما فعل فلا ذم عليه.

فكيف يذم من أراد أن تكون إضافته إلى الله تعالى لا إلى غيره كما جعل همه مقصوراً على عبادته دون غيرها.

إنما المذموم من يعمل ما أمر أن يبتغي به وجهه مريداً به وجه غيره.

والفرق بينهما ظاهر لمن أنصف.

واحتج ذلك القائل بأن الحديث جاء بكراهية أن يذكر الرجل في وجهه.

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - سمع رجلاً يثني على آخر فقال: «قطعت ظهره، لو سمعها ما أفلح» .

فيقال له هذا أن يثني عليه في وجهه فيمتليء منه عجباً ومدحاً يقول في نفسه أنا الممدوح بكذا وكذا ويستثني لذلك غيره، وما قلناه غير هذا، وهو أن يسمع الرجل يضاف إلى مولاه بالطاعة وحسن العبادة، فيسره إن شاء الله تعالى أنزله منزلة الكرامة من نفسه، وجمع بين الحسنيين أحدهما أن وفقه لعبادته.

والآخر أن جعله ما إذا مدح مدح باسمه، وأضيف إلى ما يكون مرجعه إليه من عبادته، ولم يجعله يمدح ما يمدح به أبناء الدنيا وأهلها ولولا أن هذا هكذا، لما كان ذلك «عاجل بشرى المؤمن» .

كما قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -. انتهى انتهى {المنهاج في شعب الإيمان، للحَلِيمي} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت