فصل
قال الشوكاني فِي الآيات السابقة:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ}
لما بالغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ودفع الشبهة المنهارة؛ شرع في ذكر قصص الأنبياء، لما في ذلك من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: {واتل عَلَيْهِمْ} أي: على الكفار المعاصرين لك، المعارضين لما جئت به بأقوالهم الباطلة {نَبَأَ نُوحٍ} أي: خبره، والنبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن، والمراد: ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به، كما فعله كفار قريش وأمثالهم: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} أي: وقت قال لقومه، والظرف منصوب بنبأ أو بدل منه بدل اشتمال، واللام في {لِقَوْمِهِ} لام التبليغ {يا قوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى} أي: عظم وثقل، والمقام بفتح الميم: الموضع الذي يقام فيه، وبالضم الإقامة.
وقد اتفق القراء على الفتح، وكنى بالمقام عن نفسه كما يقال فعلته لمكان فلان: أي لأجله.
ومنه: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ} [الرحمن: 46] أي: خاف ربه، ويجوز أن يراد بالمقام: المكث: أي: شقّ عليكم مكثي بين أظهركم، ويجوز أن يراد بالمقام: القيام؛ لأن الواعظ يقوم حال وعظه؛ والمعنى: إن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم، وكبر عليكم تذكيري لكم {بِآيَاتِ الله} التكوينية والتنزيلية، {فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ} هذه الجملة جواب الشرط، والمعنى: إني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديماً وحديثاً.
ويجوز أن يريد إحداث مرتبة مخصوصة عن مراتب التوكل، ويجوز أن يكون جواب الشرط {فَأَجْمِعُواْ} وجملة {فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ} اعتراض، كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي.