(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ الْعَجَائِبَ فِي مَصْنُوعَاتِهِ, وَدَلَّ على عظمته بمبتدعاته, وحث على تصفيح عِبَرِهِ وَآيَاتِهِ, وَأَظْهَرَ قُدْرَتَهُ فِي الْبِنَاءِ وَالنَّقْضِ, والهشيم والغض, {قل انظرو ماذا في السماوات والأرض} .
سَعِدَ مَنْ تَدَبَّرَ, وَسَلِمَ مَنْ تَفَكَّرَ, وَفَازَ مَنْ نَظَرَ وَاسْتَعْبَرَ, وَنَجَا مِنْ بَحْرِ الْهَوَى مَنْ تَصَبَّرَ, وَهَلَكَ كُلَّ الْهَلاكِ وَأَدْبَرَ, مَنْ نَسِيَ الْمَوْتَ مَعَ الشَّعْرِ الْمُبْيَضِّ {قُلِ انْظُرُوا ماذا في السماوات والأرض} .
يَا أَرْبَابَ الْغَفْلَةِ اذْكُرُوا, يَا أَهْلَ الإِعْرَاضِ احْضُرُوا, يَا غَافِلِينَ عَنِ الْمُنْعِمِ اشْكُرُوا, يَا أَهْلَ الْهَوَى خَلُّوا الْهَوَى وَاصْبِرُوا, فَالدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَجُوزُوا وَاعْبُرُوا, وَتَأَمَّلُوا هِلالَ الْهُدَى فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا, فَقَدْ نَادَى مُنَادِي الصَّلاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ, فَأَسْمَعَ أَهْلَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ {قُلِ انظروا ماذا في السماوات والأرض} .
إِخْوَانِي: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مُلاحَظَتَهُ بِالْبَصَرِ, وَإِنَّمَا هُوَ التَّفَكُّرُ فِي قُدْرَةِ الصَّانِعِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الدقاق, أنبأنا أبو الحسين ابن بِشْرَانَ, أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ, حَدَّثَنَا سَعْدَانُ, حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:"تَفَكُّرُ لَحْظَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ".
وَقِيلَ لَهَا: مَا كَانَ أَفْضَلَ عَمَلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتِ: التَّفَكُّرُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَكْعَتَانِ مُقْتَصَدِتَانِ فِي تَفَكُّرٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَعُودُونَ بِالتَّفَكُّرِ عَلَى التَّذَكُّرِ, وَبِالتَّذَكُّرِ عَلَى التَّفَكُّرِ, وَيُنَاطِقُونَ الْقُلُوبَ حَتَّى نَطَقَتْ, فَإِذَا لَهَا أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ, فَنَطَقَتْ بِالْحِكْمَةِ وَضَرَبَتِ الأَمْثَالَ, فَأَوْرَثَتِ الْعِلْمَ.