وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
سورة هود
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) كيف يصح ذلك والتفصيل ليس بشيء غير الأحكام. وجوابنا أن الله تعالى كتب القرآن في اللوح المحفوظ ثمّ أنزله مفصلا إلى الرسول لا جملة واحدة بحسب المصلحة فهذا معنى قوله ثمّ قال (ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) لأنه تعالى أمر بإنزاله على هذا الحال من التفصيل بعد إحكام الجميع وهذه الآية تدل على أن القرآن فعله تعالى من حيث وصفه بأنه أحكمه وذلك لا يتأتى الا في الأفعال ومن حيث وصفه بأنه فصلت آياته ومن حيث وصفه بأنه من لدن القديم تعالى وإنما يقال ذلك في الأفعال كما يقال ان هذه النعم من فضله وبين ما تقتضيه آيات الكتاب بقوله (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) فبين ما تضمنه الكتاب وبين حال التائب وانه يمتعه متاعا حسنا (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) وبين حكم المصر بقوله (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) ثمّ بين ان المرجع إلى الله تعالى والمراد إلى يوم لا حاكم ولا مالك سواه وهو يوم القيامة وبيّن بقوله تعالى (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) تكفله بإرزاق كل حي. ومتى قيل فإذا تكفل بذلك فلماذا يلزمه السعي. فجوابنا أن تكفله هو على هذا الوجه لا على حد الابتداء كما ان تكفله برزق الولد هو على وجه المباشرة لا على وجه الابتداء وبين ان كل ذلك مكتوب
في الكتاب المبين وفائدة كتابة ذلك في اللوح المحفوظ ان الملائكة تعتبر بذلك وتعرف قدرة الله تعالى وعلمه إذا وافق ما يحدث من الأمور ذلك المكتوب.
[مسألة]