[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
سورة هود
بدأت سورة هود كما بدأت سور كثيرة بالحديث عن القرآن الكريم:"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير". ولا غرو فالكتاب العظيم قاعدة الإسلام، وبرهان رسالته، وسر خلوده، وقد تلقاه الرسول ليبلغه إلى الناس كافة فيخرجهم من الشرك إلى التوحيد، ومن العوج إلى الاستقامة، فالتشبث بالله وحده أساس النجاة:"ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير". ويظهر أن عبء البلاغ شديد، أحس الرسول معه بالمعاناة، فقد جاء فِي السنة: قال أبو بكر: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما شيبك؟ قال: شيبتنى هود وأخواتها .. !!. ترى ماذا فِي هذه السورة ينبت الشيب؟ لقد شرعت أبحث عن السبب! فقلت: لعله مصارع الأمم التي ضلت فحاق بها الهلاك؟ إن هذه المصارع قضها الله على نبيه فِي سور أخرى فلم تحدث هذا الأثر!. هل تنكر الناس للرسول وإشاحتهم عنه معرضين هو الذي شيبه؟ فقد جاء فِي هذه السورة:"ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور". وقد استبعدت هذا السبب، فإن الرسول أكبر من أن يهتز لصدود الجهلة!. إذن ما لسبب؟ إن هناك شيئا لاحظته فِي هذه السورة لم ألحظه فِي غيرها: كثرة التوجيهات التي تمس شخص الرسول، وتتناوله بضمير الخطاب المفرد بين الفينة والفينة، كأنما تشعره بما هو مكلف به من بلاغ. وذلك بدءا من قوله تعالى له:"فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل"فِي هذه الآية وحدها خطاب تكرر الضمير فيه ثلاث مرات
متصلا، ومرة واحدة منفصلا ..