وقوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)
وإن كان معلومًا أنه لا يترك؛ كقوله: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) ، وأمثاله، نهاه وإن كان معلومًا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا يفعل ذلك، وإنما احتمل النهي كما يقول الرجل لآخر لعلك تريد أن تفعل كذا فهو نهاه عن ذلك.
والثاني: يقال عند القرب إلى الفعل والدنو منه؛ كقوله: (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) ، يقال: حرف"كاد"عند الميل إليه والقرب منه طمعا منه في إيمانهم، وذلك فيما يحل له الترك، وذلك ما قيل من نحو سب آلهتهم وذكر العيب فيها، ويحل له ترك سب آلهتهم وشتمها. وكذلك يخرج قوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) على هذين الوجهين، على المنع ألا يحمل على نفسه إشفاقًا على أنفسهم ألا يؤمنوا ما يوجب تلفه.
والثاني: على التخفيف؛ كقوله: (وَلَا تَحزَن عَليهِم ... ) الآية، وقوله: (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) ، هو على التخفيف ليس على النهي.
وفي قوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ ... ) الآية وجه آخر: وهو نهي يخرج مخرج البشارة له بما، كان يخاف من ضيق صدره واشتغال قلبه عند سوء معاملتهم إياه، فيقع له فيه تأخير في إبلاغ ما أمر بتبليغه فأمنه اللَّه عن ذلك وعصمه.
والوجه الثاني: في النهي عن ذلك هو ما يقع له فيه الرجاء، وذلك أن الأخيار إذا ابتلوا بالأشرار قد يؤذن لهم بمفارقتهم وترك الأمر فيهم، فلعله كان يقع له في مثله الرجاء أنه قد يؤذن له، في حال من الأحوال بتأخير التبليغ، فأيئسه عن ذلك وكلفه بتبليغ ما أمر له في جميع أحواله و (بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) يحتمل ما ذكر أهل التأويل من سب آلهتهم وعيبها وما تدعو إليه.