{وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) } [فَصْلٌ مَنْزِلَةُ السِّرِّ]
قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ:
بَابُ السِّرِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ}
أَصْحَابُ السِّرِّ: هُمُ الْأَخْفِيَاءُ الَّذِينَ وَرَدَ فِيهِمُ الْخَبَرُ.
أَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِالْآيَةِ، فَوَجْهُهُ: أَنَّ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُمْ، وَآثَرُوا اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ عَلَى قَوْمِهِمْ وَأَصْحَابِهِمْ قَدْ أَوْدَعَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ، خَفِيَ عَلَى أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، فَنَظَرُوا إِلَى ظَوَاهِرِهِمْ، وَعَمُوا عَنْ بَوَاطِنِهِمْ فَازْدَرَوْهُمْ وَاحْتَقَرُوهُمْ، وَقَالُوا لِلرَّسُولِ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ عَنْكَ، حَتَّى نَأْتِيَكَ وَنَسْمَعَ مِنْكَ، وَقَالُوا: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] فَقَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [هود: 31]
قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا اتَّبَعُونِي فِي بَادِي الرَّأْيِ وَظَاهِرِهِ، فَلَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَطَّلِعَ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا رَأَيْتُ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ عَمِلْتُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَرَدَدْتُ عِلْمَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ إِلَى اللَّهِ، وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ.