(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
إن سأل سائل عن قوله تعالى (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) إلى قوله (أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ..
فقال ظاهر قوله تعالى (إنه ليس من أهلك) يقتضي تكذيب قوله عليه السلام إنه من أهلى فالنبي لا يجوز عليه الكذب فما الوجه في ذلك وكيف يصح أن يخبر عن ابنه إنه عمل غير صالح وما المراد به .. ؟
الجواب قلنا في هذه الآية وجوه ..
أحدها أن نفيه لأن يكون من أهله لم يتناول نفى النسب وإنما نفى أن يكون من أهله الذين وعد بنجاتهم لأنه - عزَّ وجلَّ - كان وعد نوحا عليه السلام بأن ينجي أهله ألا ترى إلى قوله تعالى (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول) فاستثنى تعالى من أهله من أراد إهلاكه بالغرق ويدل عليه أيضا قول نوح عليه السلام (إن ابني من أهلى وإن وعدك الحق) وعلى هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان.
وقد روى هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين ..
والجواب الثاني أن يكون المراد بقوله تعالى (ليس من أهلك) أي إنه ليس على دينك وأراد إنه كان كافرا مخالفا لأبيه وكأن كفره أخرجه من أن يكون له أحكام أهله ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى بطريق التعليل (إنه عمل غير صالح)
فبين تعالى إنه إنما خرج من أحكام أهله لكفره وسوء عمله وقد روي هذا التأويل أيضا عن جماعة من المفسرين وحكى عن ابن جريج إنه سئل عن ابن نوح فسبح طويلا ثم قال لا إله إلا الله يقول الله ونادى نوح ابنه ويقول ليس منه ولكنه خالفه في العمل فليس منه من لم يؤمن ..
وروي عن عكرمة إنه قال كان ابنه ولكنه كان مخالفا له في النية والعمل فمن ثم قيل إنه ليس من أهلك ..
والوجه الثالث إنه لم يكن ابنه على الحقيقة وإنما ولد على فراشه فقال عليه السلام إن ابني على ظاهر الأمر فأعلمه الله تعالى إن الأمر بخلاف الظاهر ونبه على خيانة امرأته وليس في ذلك تكذيب خبره لأنه إنما خبر عن ظنه وعما يقتضيه الحكم الشرعي فأخبره الله تعالى بالغيب الذي لا يعلمه غيره وقد روى هذا الوجه عن الحسن وغيره ..