(و) أرسلنا (إلى ثمود أخاهم صالحاً) وهم سكان الحجر، فقوم هود عاد الأولى وقوم صالح عاد الثانية كما قال المحلي في سورة النجم، وقرأ الحسن ثمود بالتنوين في جميع المواضع، واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع، فالصرف باعتبار التأويل بالحي والمنع بالقبيلة، وهكذا سائر ما يصح فيه التأويلان، وبين صالح وهود مائة سنة، وعاش صالح مائتي سنة
وثمانين سنة ومكانهم بين الشام والمدينة، وتقدم في الأعراف بسط قصتهم وقصة الناقة بأكثر مما هنا.
والكلام فيه وفي قوله (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) كما تقدم في قصة هود (هو أنشأكم من الأرض) أي ابتدأ خلقكم لأن كل بني آدم من صلب آدم وهو مخلوق منها فمن لابتداء الغاية، وقيل هي بمعنى في (واستعمركم فيها) أي جعلكم عمارها وسكانها من قولهم أعمر فلان فلاناً داره فهي له عمرى فيكون استفعل بمعنى افعل مثل استجاب بمعنى أجاب والسين والتاء زائدتان.
وقال الضحاك: معناه أطال عمركم، وكانت أعمارهم ثلثمائة إلى ألف سنة، وقيل معناه أمركم بعمارتها من بناء المساكن وغرس الأشجار. وقال ابن زيد: استخلفكم فيها.
(فاستغفروه) أي سلوه المغفرة لكم من عبادة الأصنام (ثم توبوا إليه) أي ارجعوا إلى عبادته (إن ربي قريب مجيب) أي قريب الإجابة لمن دعاه، وقد تقدم القول فيه في البقرة عند قوله تعالى (فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) .
(قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً) أي كنا نرجو أن تكون فينا سيداً مطاعاً ننتفع برأيك ونسعد بسيادتك لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد لأنه كان من قبيلتهم، وكان يعين ضعيفهم ويغني فقيرهم (قبل هذا) الذي أظهرته من ادعائك النبوة ودعوتك إلى التوحيد، وقيل كان صالح يعيب آلهتهم وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم فلما دعاهم إلى الله قالوا انقطع رجاؤنا منك.