قال - عليه الرحمة:
{يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) }
الشقيُّ من قُسِم له الحرمانُ في حاله، والسعيد مَنْ رُزِق الإيمان في مآله.
ويقال الشقاء على قسمين: قومٌ شقاؤهم غير مؤيد، وقومٌ شقاؤهم على التأييد وكذلك القول في السعادة. الشقيُّ مَنْ هو في أَسْرِ التدبير ونسيان جريان التقدير، واسعيد مَنْ رَجِعَ من ظلماتِ التدبير، وحصل على وصف شهود التقدير.
ويقال الشقيُّ من كان في رق العبودية ظانَّا أَنَّ منه طاعاته، السعيد مَنْ تحرر عن رقِّ البشرية وعَلِمَ أن الحادثاتِ كلها لله سبحانه.
وأمَّا الأشقياء - على التأبيد - فهم أهل الخلود في مقتضى الوعيد، والسعداء - على التأبيد - من قال الله تعالى في صفتهم: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَأ مَزِيدٌ} [ق: 35] .
قوله جلّ ذكره: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} .
{إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} أن يزيد على مُدَّةِ السماوات والأرضِ.
{إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} أن ينقلهم إلى نوعٍ آخر من العذاب غير الزفير والشهيق.
{إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} ألا تلحقهم تلك العقوبة قبل أَنْ يُدْخِلَهم النار؛ فلا استثناء لبعض أوقاتهِم من العقوبة لا قَبْلَ إدخالهم فيها ولا بعده.
{إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} من إخراج أهل التوحيد من النار فيكون شقاؤهم غير مؤبَّد.
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} .
فيه إشارة إلى أن الذي يحصل بمشيئته لا باستحقاق عمل.
{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) }