84 -قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ} الآية.
قد ذكرنا في سورة [الأعراف: 85] أن (مدين) اسم لابن إبراهيم، ثم صار اسمًا للقبيلة، وكثير من المفسرين يذهب إلى أن (مدين) اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم. قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى ذهب الفراء وأنشد:
رهبان مدينَ لو رأوك تنزلوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ العقول الفارد
قال الزجاج: والمعنى على هذا: وأرسل إلى أهل مدين فحذف الأهل.
وقوله تعالى: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} ، نهاهم عن التطفيف وبخس الحق في المكيال، وهو ما يكال به، والميزان وهو ما يوزن به، ونقص المكيال أن يجعله على حد هو أنقص مما هو المحدود والمعهود فيما بينهم، ونقص الميزان أن يجعل السنجات التي يوزن بها أخف، وما يوزن به فهو ميزان، والسنجات يوزن بها، ولا يتصور نقص الميزان في الكفتين.
وقوله تعالى: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} . قال عامة المفسرين: يعني النعمة والخصب وكثرة المال وزينة الدنيا، ومعنى قوله: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} بعد نهيهم عن التطفيف يحتمل وجهين:
أحدهما: ما قال المفسرون أنه حذرهم غلاء السعر وزوال النعمة إن لم يتوبوا فكأنه قال: لا تطففوا فيحل بكم العذاب وزوال النعمة.
والآخر: ما ذكره الفراء قال: أراد: لا تنقصوا المكيال وأموالكم كثيرة يعني بعد أن أنعم الله عليكم برخص السعر وكثرة المال، فأي حاجة بكم إلى التطفيف وسوء الكيل والوزن؟
وقوله تعالى: {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} ، توعدهم بعذاب يحيط بهم، فلا يفلت منهم أحد، والمحيط من صفة اليوم في الظاهر، وهو في المعنى من صفة العذاب، وذلك أن يوم العذاب إذا أحاط بهم [فقد أحاط بهم] العذاب.