الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ... (84) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَ} أَرْسَلْنَا {إِلَى} وَلَدِ {مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} فَلَمَّا أَتَاهُمْ {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}
يَقُولُ: أَطِيعُوهُ، وَتَذَلَّلُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ لِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}
يَقُولُ: مَا لَكُمْ مِنْ مَعْبُودٍ سِوَاهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ غَيْرُهُ.
{وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ}
يَقُولُ: وَلَا تُنْقِصُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ فِي مِكْيَالِكُمْ وَمِيزَانِكُمْ، {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْخَيْرِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ لِمَدْيَنَ إِنَّهُ يَرَاهُمْ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ رُخْصَ السِّعْرِ، وَحَذَّرَهُمْ غَلَاءَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ: إِنِّي أَرَى لَكُمْ مَالًا وَزِينَةً مِنْ زِيَنِ الدُّنْيَا
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ:" {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} قَالَ: فِي دُنْيَاكُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} سَمَّاهُ خَيْرًا لِأَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَ الْمَالَ خَيْرًا"
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ}
يَعْنِي بِخَيْرِ الدُّنْيَا. وَقَدْ يَدْخُلُ فِي خَيْرِ الدُّنْيَا الْمَالُ، وَزِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَرُخْصُ السِّعْرِ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِقِيلِهِ ذَلِكَ بَعْضَ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا دُونَ بَعْضٍ، فَذَلِكَ عَلَى كُلٍّ مَعَانِي خَيْرَاتِ الدُّنْيَا الَّتِي ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا أُوتُوهَا.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ شُعَيْبٌ، لِأَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ عَيْشِهِمْ، وَرُخْصٍ مِنْ أَسْعَارِهِمْ، كَثِيرَةٌ أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تُنْقِصُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ فِي مَكَايِيلِكُمْ وَمَوَازِينِكُمْ، فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ رِزْقَكُمْ.