فصل
قال الشوكاني فِي الآيات السابقة:
{فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ}
لما فرغ الله سبحانه من أقاصيص الكفرة، وبيان حال السعداء والأشقياء، سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن النهي له عن الامتراء في أن ما يعبدونه غير نافع ولا ضار، ولا تأثير له في شيء.
وحذف النون في"لا تك"لكثرة الاستعمال، والمرية: الشك.
والإشارة بهؤلاء إلى كفار عصره صلى الله عليه وسلم.
وقيل: المعنى: لا تك في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء.
وقيل: لا تك في شك من سوء عاقبتهم.
ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني، وهذا النهي له صلى الله عليه وسلم هو تعريض لغيره ممن يداخله شيء من الشك.
فإنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك أبداً.
ثم بيّن له سبحانه أن معبودات هؤلاء كمعبودات آبائهم، أو أن عبادتهم كعبادة آبائهم من قبل، وفي هذا استثناء تعليل للنهي عن الشك.
والمعنى: أنهم سواء في الشرك بالله وعبادة غيره.
فلا يكن في صدرك حرج مما تراه من قومك، فهم كمن قبلهم من طوائف الشرك، وجاء بالمضارع في {كما يعبد آباؤهم} لاستحضار الصورة.
ثم بيّن له أنه مجازيهم بأعمالهم فقال: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من العذاب كما وفينا آباءهم، لا ينقص من ذلك شيء، وانتصاب غير الحال، والتوفية لا تستلزم عدم النقص، فقد يجوز أن يوفى وهو ناقص، كما يجوز أن يوفى وهو كامل.
وقيل: المراد نصيبهم من الرزق، وقيل: ما هو أعمّ من الخير والشرّ.