(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
(أتبع السيئة الحسنة تمحها)
قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلم.
والعاقل من إذا فعل خطيئة بادرها بالتوبة، فكم مغرور بإمهال العصاة لم يمهل.
وأسرع المعاصي عقوبة ما خلا عن لذة تنسي النهي، فتكون تلك الخطيئة كالمعاندة والمبارزة.
فإن كانت توجب اعتراضاً على الخالق أو منازعة له في عظمته، فتلك التي لا تتلافى.
خصوصاً إن وقعت من عارف بالله، فإنه يندر إهماله.
قال عبد المجيد بن عبد العزيز: كان عندنا بخراسان رجل كتب مصحفاً في ثلاثة أيام فلقيه رجل فقال: في كم كتبت هذا؟. فأومأ بالسبابة والوسطى والإبهام وقال: في ثلاث {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} فجفت أصابعه الثلاث، فلم ينتفع بها فيما بعد.
وخطر لبعض الفصحاء أن يقدر أن يقول مثل القرآن، فصعد إلى غرفة فانفرد فيها، وقال: أمهلوني ثلاثاً، فصعدوا إليه بعد الثلاث ويده قد يبست على القلم وهو ميت.
قال عبد الحميد: ورأيت رجلاً كان يأتي امرأته حائضاً، فحاض، فلما كثر الأمر به تاب فانقطع عنه.
ويلحق هذا أن يعير الإنسان شخصاً بفعل، وأعظمه أن يعيره بما ليس إليه، فيقول يا أعمى، ويا قبيح الخلقة.
وقال ابن سيرين: عيرت رجلاً بالفقر فحبست على دَين، وقد تتأخر العقوبة وتأتي في آخر العمر.
فيا طول التعثير مع كبر السن لذنوب كانت في الشباب.
فالحذر الحذر من عواقب الخطايا والبدار البدار إلى محوها بالإنابة.
فلها تأثيرات قبيحة إن أسرعت وإلا اجتمعت وجاءت. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...