{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا}
وهي الآياتُ التسعُ المفصّلاتُ التي هي العصا واليدُ البيضاءُ والطوفانُ والجرادُ والقُمّلُ والضفادعُ والدمُ ونقصُ الثمراتِ والأنفسِ ومن جعلهما آيةً واحدةً وعدّ منها إظلالَ الجبل وليس كذلك فإنه لقبول أحكامِ التوراةِ حين أباه بنو إسرائيلَ، والباءُ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من مفعول أرسلنا أو نعتاً لمصدره المؤكّد أي أرسلناه حال كونِه ملتبساً بآياتنا أو أرسلناه إرسالاً ملتبساً {وسلطان مُّبِينٍ} هو المعجزاتُ الباهرةُ منها أو هو العصا، والإفرادُ بالذكر لإظهار شرفِها لكونها أبهرَها أو المرادُ بالآيات ما عداها أو هما عبارتان عن شيء واحد، أي أرسلناه بالجامع بين كونِه آياتِنا وبين كونِه سلطاناً له على نبوّته واضحاً في نفسه أو موضّحاً إياها، من أبان لازماً ومتعدّياً، أو هو الغلبةُ والاستيلاءُ كقوله تعالى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا} ويجوز أن يكون المرادُ ما بيّنه عليه السلام في تضاعيف دعوتِه حين قال له فرعونُ: {مِنْ * رَبّكُمَا} {فَمَا بَالُ القرون الأولى} من الحقائق الرائقةِ والدقائقِ اللائقةِ وجعلُه عبارةً عن التوراة وإدراجُها في جملة الآيات يردّه قولُه عز وجل: {إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} فإن نزولَها إنما كان بعد مهلِك فرعونَ وقومِه قاطبةً ليعمل بها بنو إسرائيلَ فيما يأتون وما يذرون، وأما فرعونُ وقومُه فإنما كانوا مأمورين بعبادة ربِّ العالمين عزَّ سلطانُه وتركِ العظيمةِ الشنعاءِ التي كان يدعيها الطاغيةُ وتقبلها منه فئتُه الباغية، وبإرسال بني إسرائيلَ من الأسر والقسْرِ، وتخصيصُ ملئه بالذكر مع عموم رسالتِه عليه السلام لقومه كافة لأصالتهم في الرأي وتدبيرِ الأمور واتباعِ غيرِهم لهم في الورود والصدور، وإنما لم يصرَّح بكفر فرعونَ بآيات الله تعالى وانهماكه فيما كان عليه من الضلال والإضلال بل اقتصر على ذكر شأن ملئِه فقال: {فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} أي أمرَه بالكفر