(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
قالوا: ومن هذه أيضا قوله تعالى: {خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}
قالوا: وقد علم أنّ قوله {غير مجذوذ} يقتضي أن يكون دائما غير مقطوع، وقوله: «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» يقتضي أنّهم يمكثون في الجنة دهرا ثم لا يكونون فيها لقوله: «إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ» ، لأنّه يقتضي إلا ما شاء الله من إخراجهم، وهذا تناقض واستثناء في غير موضعه.
يقال لهم: لا يجب ما قلتم لأنّ العرب تعبّر عن معنى الأبد والتأبيد بألفاظ كثيرة، يقصدون بها الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده، فمن ذلك قولهم: لا أفعل ذلك ما تكرر العصران وما اختلف الجديدان، وما اختلف الليل والنهار، وما طلعت الشمس، وما غربت، وما ظمأ البحر، وما أقام أحد، وما در لله شارق، وأمثال هذه الألفاظ قال امرؤ القيس:
وإنّي مقيم ما أقام عسيب
يعني جبلا قائما، استجازوا جعل هذه الألفاظ مكان ذكر الأبد لاعتقادهم أن العصرين يتكرران أبدا سرمدا، وأنّ الليل والنهار يختلفان ويتجددان أبدا دائما، وأن البحر لا يزال ظاميا مرتفعا، وأن الجبل والسماوات والأرض لا تزولان ولا يتغيران أبدا، فقالوا كذلك: لا أكلمك ما اختلف الجديدان وما ظمأ البحر، وهم لا يعنون بذلك مدة من الزمان منقطعة متناهية، وإنّما يعنون الأبد الذي لا انقطاع له ولا تأخير، فخاطب الله العرب بما تعهده في كلامها وتعرفه في عرفها فقال تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، يعني أنّهم خالدون فيها أبدا سرمدا فعبّر عن هذا بدوام السماوات والأرض لاعتقادهم في أصل اللغة أنّهما غير منقطعين ولا مبتعدين.
فهذا الكلام جواب من قال: {كيف قال خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} وقدر دوام السماوات والأرض منقطع متناهي، وهو قد أخبر أنّ خلودهم ودوامهم غير مجذوذ ولا مقطوع، وإن وجب اعتقاد انقطاع دوام السماوات والأرض من جهة السمع، قال الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ} [إبراهيم: 48] ، وقال: {يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104] ، فأخبر عن تغييرها وتبديلها.