قال - عليه الرحمة:
{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}
أخبر أن الملائكة أتوا إبراهيمَ - عليه السلام - بالبشارة. وأخبر أن إبراهيمَ - عليه السلام - أنْكَرَهُم، ولم يَعْرِفْ أنهم ملائكةٌ. فيُحتمل أنَّه - سبحانه - أراد أن تكونَ تلك البشارة فجأةً من غير تنبيهٍ لتكونَ أتَمَّ وأبلغَ في إيجاد السرور، ولا سيما وقد كانت بعد خوف لأنه قال: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} .
ويقال إن إبراهيم - عليه السلام - كان صاحبَ النبوة والخُلَّة والرسالة فلا بُدَّ أن تكون فراستُه أعلى من فراسة كلِّ أحدٍ، ولكنه في هذه الحالة لم يَعْرِفْ الملائكةَ ليُعْلَمَ أنَّ الحقَّ - سبحانه وتعالى - إذا أراد إمضاءِ حُكْمِ يَسُدُّ على مَنْ أرادَ عيونَ الفراسة، وإنْ كان صاحبُ الفراسة هو خليل الله، كما سَدَّ الفراسة، على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - في قصة الإفْكِ إلى الوقت الذي نزل فيه الوحيُ، وكذلك التبس على لوطٍ - عليه السلام - إلى أن تبيَّن له الأمر.
وتكلموا في هذه"البشرى"ما كانت؛ فقيل كانت البشارة بإسحاق؟ أنَّه سيولد له ولد ومن نَسْله وسُلالته؛ قال تعالى: {وَمِن وَرَآءِ إسْحَاقَ يَعْقُوبَ} .
ويقال بسلامة قومه - حيث كانوا مُرْسَلين بإهلاك قوم لوط - عليه السلام.
ويقال بشارة بالخُلَّة وتمام الوصلة.
ويقال إن الخُلَّة والمحبة بناؤهما كتمان السِّرِّ؛ فَيَعْلَمَ أنهم أُرْسِلُوا بشارةٍ ما ولم يكن للغير اطلاع، قال قائلهم:
بين المحبين قولٌ لست أفهمه ... ويقال إن تلك البشارة هي قولهم:"سلاماً"وأن ذلك كان من الله، وأيُّ بشارة أتمُّ من سلام الحبيب؟ وأيُّ صباح يكون مُفْتَتَاً بسلام الحبيب فصَبَاحٌ مباركٌ، وكذلك المبيتُ بسلام الحبيب فهو مباركٌ.