(ونادى نوح ربه) أي دعاه، والظاهر أن هذا النداء كان قبل سيرها لأنه سؤال في تجاه ابنه ولا معنى للسؤال إلا عند إمكان النجاة، والمراد أنه أراد دعاءه بدليل الفاء في قوله (فقال رب إن ابني من أهلي) وعطف الشيء على نفسه غير سائغ فلابد من التقدير المذكور قاله الزمخشري. وقيل عطف تفسير أو تفصيل إذ القول المذكور هو عين النداء فهو مرتبط في المعنى بقوله (ونادى نوح ابنه) والمعنى أنه من الأهل الذين وعدتني بتنجيتهم بقولك وأهلك.
فإن قيل كيف طلب نوح عليه السلام إنجاز ما وعده الله بقوله (وأهلك) وهو المستثنى منه وترك ما يفيده الاستثناء وهو إلا من سبق عليه القول فيجاب بأنه لم يعلم إذ ذاك أنه ممن سبق عليه القول فإنه كان يظنه من المؤمنين.
(وإن وعدك الحق) الصدق الذي لا خلف فيه وهذا منه (وأنت أحكم الحاكمين) أي أتقن المتقنين لما يكون به الحكم فلا يتطرق إلى حكمك نقض، وقيل أراد به أعلمهم وأعدلهم أي أنت أكثر علماً وعدلاً من ذوي الحكم، وقيل أن الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدراع.
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)
ثم أجاب الله سبحانه عن نوح ببيان أن ابنه غير داخل في عموم الأهل وأنه خارج بقيد الاستثناء (قال يا نوح إنه) يعني هذا الابن الذي سألتني نجاته (ليس من أهلك) الذين آمنوا بك وتابعوك ومن أهل دينك، وإن كان من أهلك باعتبار القرابة، قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأكثر المفسرين: أنه ابن نوح من صلبه وهو الصحيح.
وعن ابن عباس قال: ما بغت امرأة نبي قط، وأن الله نص عليه بقوله (ونادى نوح ابنه) ونوح أيضاً نص عليه بقوله (يا بني) ولا يجوز صرف الكلام عن الحق إلى المجاز من غير ضرورة.