{وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}
{وَقَالَ} أي نوح عليه السلام لمن معه من المؤمنين كما ينبئ عنه قوله تعالى: {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [هود: 14] .
وقيل: الضمير لله تعالى، وفيه أنه لو كان كذلك لكان المناسب إن ربكم الخ، ولعل هذا القول بعد إدخال ما أمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل: فحمل الأزواج حسبما أمر أو أدخلها في الفلك، وقال للمؤمنين {اركبوا فِيهَا} أي صيروا فيها، وجعل ذلك ركوباً لأنها في الماء كالمركوب في الأرض ففيه استعارة تبعية من حيث تشبيه الصيرورة فيها بالركوب، وقيل: استعارة مكنية والتعدية بفي لاعتبار الصيرورة وإلا فالفعل يتعدى بنفسه، وإلى هذا ذهب القاضي البيضاوي، وقيل: التعدية بذلك لأنه ضمن معنى ادخلوا، وقيل: تقديره اركبوا الماء فيها، وقيل: في زائدة للتوكيد، وكأن الأول أولى، وقال بعض المحققين: الركوب العلو على شيء متحرك ويتعدى بنفسه واستعماله ههنا بفي ليس لأن المأمور به كونهم في جوفها لا فوقها كما ظن فإن أظهر الروايات أنه عليه السلام ركب هو ومن معه في الأعلى بل لرعاية جانب المحلية والمكانية في الفلك.
والسر فيه أن معنى الركوب العلو على شيء له حركة إما إرادية كالحيوان أو قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فإذا استعمل في الأول توفر له حظ الأصل فيقال: ركبت الفرس، وعليه قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: 8] وإن استعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة في فيقال: ركبت في السفينة، وعليه الآية الكريمة، وقوله سبحانه: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك} [العنكبوت: 65] و {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة خَرَقَهَا} [الكهف: 71] انتهى، وظاهره أن الركوب ههنا حقيقي، وصرح بعضهم أنه ليس به.