قوله تعالى: {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... (45) }
ابن عرفة: هذا السؤال بعد وقوع ما وقع إنما هو ليبين له فهم ما وقع عنده فيه وهمٌ وإشكال، وأورد الزمخشري هنا سؤالا، قال: كيف عطف هذا بالفاء مع أن الجملة الثانية في معنى الأولى؛ فالمناسب فيها الوصل لَا الفصل؟ وأجاب بأن المعنى أراد النداء (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) فهو من عطف المسبب على السببية ولو أراد النداء نفسه؛ لجاز بغير عطف كقوله (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) ابن عرفة: وكان بعضهم يقول في هذا بإن كان النفع بالنداء راجعا للمنادي فإِنه لَا يؤتى فيه بحرف العطف ولا بلفظ قال، كقوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا) ، وإن كان النفع راجعا للمنادي؛ فإن لم يَكن فيه بعد وغرابة فإنه يؤتى فيه بقال دون حرف العطف، كقوله (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) إذ لَا غرابة في تضرع المخلوق للخالق، وإن كان فيه بعد وغرابة فإنه يؤتى فيه بقال مع حرف العطف، فهذه الآية إشعار بأن هناك مقدر؛ أي ناداه وخشع له وأظهر الذلة والافتقار (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) .
قوله تعالى: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) .
على معنى مقدمتين، أي وكل أهلي ناج بوعدك الحق الصدق فإنني ناج، قال: وكان بعضهم يقول: في الآية حجة للمعتزلة القائلين بأن الأمر يستلزم الإرادة؛ لأن قبلها (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) ففهم نوح عليه السلام من أمره له بحمل أهله وعده له بسلامة من يحمله معه، فدل ذلك على أن الأمر يستلزم الإرادة إذ لو لم يستلزمها لما قال نوح (وَعْدَكَ الْحَقُّ) وأجيب بأنه إنما فهمه من القرائن