45 - {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ} إثر ندائه لابنه الذي تخلف عن السفينة، ودَعاهُ إليها فلم يستجب، {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي} هذا {مِنْ أَهْلِي} الذي وعدَتنِي بنجاتهم، إذ أمرتني بحَمْلهم في السفينة {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} الذي لا خلف فيه {وَأَنْتَ} يا إلهي {أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} ؛ أي: خير الحاكمينَ بالحق، وأفضلُهم كما قلتَ: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} فحكمك يصدر عن كمال العلم والحكمة، فلا يعرض له الخطأ، ولا الحَيف، ولا الظلم.
والمعنى: وأنت أعلم الحكَّام وأَعْدَلُهم إذ لا فَضْلَ لحاكم على غيرِه إلَّا بالعلم، والعدل، ورُبَّ جاهل ظالم من متقلدي الحكومة في زمانك لقد لقِّبَ بأقضى القُضاة، وقال جَارُ الله:
قُضَاةُ زَمَانِنَا صَارُوْا لُصُوْصَا ... عُمُوْمًا فيْ الْقَضَايَا لاَ خُصُوْصَا
خَشِيْنَا مِنْهُمُ لَوْ صَافَحُوْنَا ... لَلَصُّوْا مِنْ خَواتِمِنَا فُصُوْصَا
اهـ"روح البيان".
وهذا الدعاء من نوح عليه السلام في غاية التلطُّف، وهو مِثْلُ دعاءِ أيوب عليه السلام {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .
والخلاصة: أن نوحًا كانَ يريد أن ينجوَ ابنه الذي تخلَّفَ عن السفينة من الغرق، بعد أَن دعاهُ إليهَا، ومن البَيِّنِ أنَّ هذا الدّعاءَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بعد المحاورة مَعَ ابنِه قبل أن يَحُولَ بينهما الموج، ومعنى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ} ؛ أي: أراد أن يناديه، ولذلك أَدْخَلَ الفاء؛ إذ لو كان أراد حقيقةَ النداءِ والإخبار عن وقوعه منه لم تَدْخُل (الفاء) في {فقال} ولسقَطَتْ كما لم تَدْخُل في قوله: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ} و (الواو) في هذه الجملة لا ترتب أيْضًا، وذلك أنَّ هذه القِصَّةَ كانت أوَّلَ ما ركب نوحُ السفينةَ، ويظهر من كلام الطبري أنَّ ذلك مِنْ بعدِ غَرْق الابن