أهل الحق وأهل الباطل
قال تعالى:
(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً ...(17)
هذه موازنة بين الذين يتبعون الحق والذين يطلبون الدنيا وزينتها وتكون وحدها مقصدهم ويشركون باللَّه تعالى، وبين الذين يؤمنون باللَّه.
(أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ) (الفاء) هنا مؤخرة عن تقديم، وهي تفيد أن الاستفهام المتسائل مترتب على ما قبله من عمل غير فاضل، وكلمة (مِن) اسم موصول بمعنى الذي، والمعنى أمن كان على بينة من ربه كمن هو في عماية عن الحق ولا يدرك إلا الحياة الدنيا، وحذفت الموازنة الدالة على المفارقة الواضحة بينهما، إذ فرقٌ بين من يطلب الحق الباقي ومن يطلب العاجل الفاني.
(البينة) الأمر البين الذي تدركه العقول السليمة في غير اعوجاج، ويصح أن يراد به الإسلام؛ لأنه بَيِّن لَا يأتي إلا بما تقبله العقول ولا ينهى إلا عن الأمر المنكر غير المعقول؛ ولأنه دين الفطرة السليمة.
أسند اللَّه تعالى البينة إلى ربه، للدلالة على أنه الهادي إليها بمقتضى ما ركزه اللَّه تعالى في النفوس، وبمقتضى ما هدى إليه بالرسالات الإلهية، وقال تعالى:
(بيِنةٍ مِن رَّبِهِ) بالتعدية بـ (على) للدلالة على تمكنه من المعرفة، وأنها ليست وهما يتوهم ولا ظنا يظن بل عقيدة متمكنة.
ذكر اللَّه تعالى بعد البينة أن لها شاهدًا من اللَّه تعالى: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) ، أي يجيء شاهدا من اللَّه، فالضمير الأول في (يَتْلُوهُ) يعود إلى البينة، وعاد مذكرا لأن البينة البرهان القاطع الحاسم الذي تهدي إليه الفطرة، فعاد الضمير مذكرا للإشارة إلى أنها برهان بين واضح الدلالة على الوحدانية. والضمير الثاني في قوله (شَاهِدٌ) يعود على اللَّه ربك، أي أنه هداك وأيدك، والشاهد هو القرآن الكريم النازل من لدن عزيز حكيم.