{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ... (3) }
وَلَيْسَت التَّوْبَة تركا وَإِن كَانَ التّرْك من لوازمها وَإِنَّمَا هِيَ فعل وجودي يتَضَمَّن إقبال التائب على ربه وإنابته إِلَيْهِ والتزام طَاعَته وَمن لَوَازِم ذَلِك ترك مَا نهى عَنهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}
فالتوبة رُجُوع مِمَّا يكره إِلَى مَا يحب وَلَيْسَت مُجَرّد التّرْك، فَإِن من ترك الذَّنب تركا مُجَردا وَلم يرجع مِنْهُ إِلَى مَا يُحِبهُ الرب تَعَالَى لم يكن تَائِبًا فالتوبة رُجُوع وإقبال وإنابة لَا ترك مَحْض.
(فصل)
وَأَمَّا تَأْثِيرُ الِاسْتِغْفَارِ فِي دَفْعِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالضِّيقِ فَلِمَا اشْتَرَكَ فِي الْعِلْمِ بِهِ أَهْلُ الْمِلَلِ وَعُقَلَاءُ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ الْمَعَاصِيَ وَالْفَسَادَ تُوجِبُ الْهَمَّ، وَالْغَمَّ، وَالْخَوْفَ، وَالْحُزْنَ، وَضِيقَ الصَّدْرِ، وَأَمْرَاضَ الْقَلْبِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَهَا إِذَا قَضَوْا مِنْهَا أَوْطَارَهُمْ، وَسَئِمَتْهَا نَفُوسُهُمُ ارْتَكَبُوهَا، دَفْعًا لِمَا يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الضِّيقِ وَالْهَمِّ وَالْغَمِّ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْفُسُوقِ:
وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ ... وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا
وَإِذَا كَانَ هَذَا تَأْثِيرَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ فِي الْقُلُوبِ، فَلَا دَوَاءَ لَهَا إِلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...