فصل فِي مَعانِى السُّورةِ كامِلةً
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
سورة هود (عليه السّلام)
مكية. وعن المعدل، عن ابن عباس رضي الله عنه: إلا آية نزلت بالمدينة، وهي قوله: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ. .} الآية [هود:114] .
وهي مئة واثنتان وعشرون آية عند أهل المدينة والشام.
بسم الله الرّحمن الرّحيم عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه: يا رسول الله قد شبت؟ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «شيّبتني هود والواقعة والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت» .
عن أبي جحيفة، قال: قالوا: يا رسول الله، نراك قد شبت؟ قال: «شيبتني هود وأخواتها» .
واعلم أنّ المعنى المشيب لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
إما سر من أسرار الله تعالى في القرآن، لم يطلع عليه إلا نبيّه.
وإما أحد أشياء أربعة:
أحدها: أنّ بعض السور اختصت بالاسترقاء، وبعضها بالتّنفّل، وبعضها بالتّعوّذ،
وبعضها بتلقين الموتى، وهذه السّور بالتّرهيب، والتشيب للطيفة من القوي، كما بلغنا أنّ بعض أهل الإلحاد تصوّر له أنّه يحاكي القرآن بهذيان، فلمّا انتهى إلى قوله: {وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي} [هود:44] ، انشقّت مرارته.
والثاني: أنّ هذه السّور كلّهن مكيّات، فلعلّهنّ نزلن أيّام النّفير إلى الشّعب، وأيّام وفاة خديجة، رضي الله عنها، وأبي طالب، فقوله: «شيّبتني هود وأخواتها» من كثرة ما لقي من مكروه المشركين.
والثالث: أنّ نزول الوحي عليه قد كان سهلا، وقد كان ثقيلا. روي أنّ النّبيّ عليه السّلام كان إذا نزل عليه الوحي يتبرّد وجهه، ويجد بردا في ثناياه. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، [عن أبي أروى الدوسي رضي الله عنه] قال: رأيت الوحي ينزل على النّبيّ عليه السّلام وإنّه على راحلته، فترغو، وتفتل يديها حتى أظنّ أنّ ذراعها تنفصم، فربّما بركت، وربّما قامت موتّدة يديها حتى يسرّى عنه؛ من ثقل الوحي، وإنّه ليتحدّر منه مثل الجمان. فيحتمل: أنّ جبريل عليه السّلام أنزل عليه سورة هود، وأخواتها على هذه الطّريقة الشّديدة؛ فلذلك شيّبنه.
والرابع: هو تكرار المعنى المزعج، يعني: [في] سورة هود: تكرار لفظة (بعد) أي:
هلك، وفي سورة الواقعة: تكرار (أنتم) ، أو (نحن) ، وفي سورة المرسلات: تكرار لفظة (ويل) ، وفي سورة عمّ يتساءلون: تكرار لفظة (وكان) ، و (كانت) ، وفي سورة التكوير: