ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
سورة هود
{فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ}
يعني البينة في قوله {إنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةِ مِن رَبِّي}
وإنما قال {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} وهم الذين عموا عنها , لأنها خفيت عليهم بترك النظر فأعماهم الله عنها. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {فعميت عليكم} بضم العين وتشديد الميم , وفي قراءة أُبي {فعمّاها} وهي موافقة لقراءة من قرأ بالضم على ما لم يسم فاعله. وفي الذي عماها على هاتين القراءتين وجهان: أحدهما: أن الله تعالى عماها عليهم.
الثاني: بوسوسة الشيطان. وما زينه لهم من الباطل حتى انصرفوا عن الحق. وإنما قصد نبي الله نوح بهذا القول لقومه أن يرد عليهم قولهم {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} ليظهر فضله عليهم بأنه على بينة من ربه وآتاه رحمة من عنده وهم قد سلبوا ذلك , فأي فضل أعظم منه.
{قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}
فيه قولان: أحدهما: إن تسخروا من قولنا فسنسخر من غفلتكم.
الثاني: إن تسخروا من فِعلنا اليوم عند بناء السفينة فإنا نسخر منكم غداً عند الغرق.
والمراد بالسخرية هاهنا الاستجهال.
ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم. قال ابن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر فلذلك سخروا منه. قال: ومياه البحار بقية الطوفان.
«فإن قيل» : فلم جاز أن يقول (فإنا نسخر منكم) مع قبح السخرية؟
قيل: لأنه ذمٌّ جعله مجازاة على السخرية فجاء به على مزاوجة الكلام , وكان الزجاج لأجل هذا الاعتراض يتأوله على معنى إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلوننا.
{فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}
وفي {وراء} هاهنا قولان: أحدهما: أن الوراء ولد الولد , قاله ابن عباس والشعبي.
الثاني: أنه بمعنى بعد , قاله مقاتل , وقال النابغة الذبياني:
(حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراءَ اللهِ للمرء مذهبُ)
فعجلوا لها البشرى بالولدين مظاهرة للنعمة ومبالغة في التعجب , فاحتمل أن يكون البشارة بهما باسميهما فيكون الله تعالى هو المسمى لهما , واحتمل أن تكون البشارة بهما وسماها أبوهما.
«فإن قيل» : فلم خصت سارة بالبشرى من دون إبراهيم؟
قيل عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها لما اختصت بالضحك خصت بالبشرى.
الثاني: أنهم كافأُوها بالبشرى مقابلة على استعظام خدمتها.
الثالث: لأن النساء في البشرى بالولد أعظم سروراً وأكثر فرحاً.