104 -قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ}
قال ابن عباس: يريد أهل مكة، {إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} ، قال: يريد من توحيد الله الذي جئت به والحنيفية التي بعثت بها، {فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، يقال في هذا: لِمَ جعل جواب {إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ} ، {لَآ أَعْبُدُ} وهؤلاء يعبدون غير الله شكوا أو لم يشكوا؟ قيل: لأن المعنى: لا تشككوني بشككم حتى أَعبد غير الله كعبادتكم، كأنه قيل: {إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} بشككم {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} ، قال أهل المعاني: إنما خص التوفي هاهنا بالذكر دون الإحياء؛ لأنه يتضمن تهديدًا لهم؛ لأن وفاة المشركين ميعاد عذابهم.
وقوله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ} ، قال المبرد: أي وقع الأمر لهذا ومن أجل هذا، كما قال:
أريد لأنسى ذكرها
أي: إرادتي لنسيان ذكرها، وقوله تعالى: {أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} يعني أول مؤمني هذه الأمة، كما قال: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163] .
105 -قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} ، قال صاحب النظم: لا يجوز في الظاهر أن ينسق هذا على {أَنْ أَكُونَ} ، إلا أن الأمر قول وكلام، فكان قوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ} قيل لي: كن من المؤمنين وأقم وجهك، ومعنى الآية: استقم بإقبالك على ما أمرت به بوجهك، إذ من أقبل على الشيء بوجهه جمع همته له وله يُضْجِعُ فيه، وهذا معنى قول ابن عباس: وجهك عملك، ومعنى إقامة الشيء: نصبه المنافي لإضجاعه، ومضى الكلام في الحنيف والحنيفية عند قوله: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [البقرة: 135] .