ومن لطائف ونكات تفسير الطوفي:
سورة هود
قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
وقوله تعالى: {إذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
فكل واحدة من هاتين الآيتين تضمنت ست جمل، فانظر إلى شدة امتزاجه، وارتباطه، وأخذ بعضه بأعناق بعض، وتمكن ألفاظه، بحيث لو نقلت أي لفظة أو جملة منه عن مكانها، لاختلّ نظمه، وانطمست بهجته، مع كثرة فصوله، وتعدد جمله، فبهذه الصناعة اختص القرآن على سائر الكلام.
{إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ}
قول هود لقومه: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ} ولم يقل"و أشهدكم"قطعا، بعطف المستقبل على مثله المشعر باستواء الشاهدين في الصدق، وعدولا إلى الاستهزاء بهم وتهكمهم، إذ شهادتهم لا تأثير لها، ولا اعتبار بها، كما تقول لعذول"اشهد أني أحبك".
ومثال ثاني: أن يستنيب الحاكم عاصيا عن معصيته، فيقول العاصي:"إني أشهد هؤلاء الناس، واشهد أيها الحاكم، أني لا أعود إلى مثل ما فعلت"فإن ذلك يفيد تفخيم حال الحاكم وزيادة تعظيمه على غيره ممن أشهده، وقريب من هذا قوله تعالى: {فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ} {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون} في دلالة الكلام على أن الثاني أفخم من الأول.