{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ}
الفاء لتفريع التغليط على امتناع أهل القرى من الإيمان بالرسل قبل أن ينزل بهم العذاب على الإخبار بأن الذين حقت عليهم كلمة الله أن لا يؤمنوا لا يؤمنون حتى يروا العذاب فإن أهل القرى من جملة الذين حقت عليهم الكلمة بأن لا يؤمنوا.
والغرض من ذكر أهل القرى التعريض بالمقصود، وهم أهل مكة فإنهم أهل قرية فكان ذلك كالتخلص بالتعريض إلى المخصوصين به، وللإفضاء به إلى ذكر قوم يونس فإنهم أهل قرية.
و (لولا) حرف يرد لمعان منها التوبيخ، وهو هنا مستعمل في لازم التوبيخ كناية عن التغليط، لأن أهل القرى قد انقضوا، وذلك أن أصل معنى (لولا) التحضيض، وهو طلب الفعل بحَثّ، فإذا دخلت على فعل قد فات وقوعه كانت مستعملة في التغليط والتنديم والتوبيخ على تفويته، ويكون ما بعدها في هذا الاستعمال فعل مضي مثل قوله تعالى: {ولَولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} [النور: 16] .
وإذا توجه الكلام الذي فيه (لولا) إلى غير صاحب الفعل الذي دخلت عليه كانت مستعملة في التعجيب من حال المتحدث عنه، كقوله: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13] وقوله: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} [الأنعام: 43] وهذه الآية أصرح في ذلك لوجود (كان) الدالة على المضي والانقضاء.
والمقصود: التعريض بأن مشركي أهل مكة يوشك أن يكونوا على سنَن أهل القرى.
قال تعالى: {ما آمنتْ قبلهم من قرية أهلكناها أفَهُم يؤمنون} [الأنبياء: 6] ، ونظير هذه الآية استعمالاً ومعنى قوله تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولُوا بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم} [هود: 116] ، وذلك تعريض بتحريض أهل مكة على الإيمان قبل نزول العذاب.