{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) }
وكان فرعون يعلم تقدُّم السحرة في دولته، ويكفي أنه شخصياً خَيَّل للناس أنه إله، وجاء أمره أن يأتي أعوانه بالسحرة، وفور أن قال الأمر جيء بالسحرة.
وأورد الحق سبحانه في الآية التي بعد ذلك. {فَلَمَّا جَآءَ السحرة}
وكأن المسافة بين نطق فرعون بالأمر وبين تنفيذ الأمر هي أضيق مسافة وقتية، وذلك حتى نفهم أن أمر صاحب السلطان لا يحتمل من الناس التأجيل أو التباطؤ في التنفيذ.
والقرآن حينما يعالج أمراً من الأمور فهو يعطي صورة دقيقة للواقع، ولا يأتي بأشياء تفسد الصورة.
يقول الحق سبحانه:
{فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} [يونس: 80] .
وفي هذه الآية تلخيص للموقف كله، فحين علم السحرة أن فرعون يحتاجهم في ورطة تتعلق بالحكم، فهذه مسألة صعبة وقاسية، وعليهم أن يسرعوا إليه.
ولم يأت الحق سبحانه هنا بالتفصيل الكامل لذلك الموقف؛ لأن القصة تأتي بنقاطها المختلفة في مواضع أخرى من القرآن، وكل آية توضح النقطة التي تأتي بذكرها.
لذلك لم يقل الحق سبحانه هنا: إن أعوان فرعون نادوا في المدائن ليأتي السحرة، مثلما جاء في مواضع أخرى من القرآن.
ولم يقل لنا إن السحرة أرادوا أن يستفيدوا من هذه المسألة، وقالوا للفرعون:
{إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين} [الأعراف: 113] .
ووَضْع مثل هذا الشرط يوضح لنا طبيعة العلاقات في ذلك المجتمع، فطلبهم للأجر، يعني أن عملهم مع الفرعون من قبل ذلك كان تسخيراً وبدون أجر، ولما جاءتهم الفرصة ورأوا الفرعون في ازمة؛ طالبوا بالأجر.