[لطيفة]
قال فِي ملاك التأويل:
قوله تعالى:"وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فِي الأرض زلا فِي السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فِي كتاب مبين"وفي سورة سبأ:"عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فِي السماوات ولا فِي الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فِي كتاب مبين"وقال فيما بعد:"قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فِي السماوات ولا فِي الأرض وما لهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير"للسائل أن يسأل عن تقديم الأرض على السماء فِي سورة يونس وعكس ذلك فِي الموضعين من سورة سبأ؟
والجواب عن ذلك والله أعلم: أن آية يونس مقصود فيها من تأكيد الاستيفاء والاستغراق مالم يقصد فِي الأخريين وإن كان العموم مراد فِي الجميع إلا أن آية يونس قضت بزيادة التأكيد ولذلك تكررت فيها مع ما قبلها ما النافية المتلقى بها القسم فِي قوله:"وما تكون فِي شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ليكم شهودا"فقوى بذلك قصد تأكيد الاستغراق وتضمين الكلام معنى القسم فقال تعالى:"وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة"بزيادة من فِي الفاعل وهي مقتضية معنى الاستغراق فِي مثل هذا وبناؤها على ما المتلقى بها القسم بفهم ما قلناه من معنى القسم وتأكيد الاستغراق بل أقول إن"من"فِي مثل هذا نص فِي ذلك.
قال سيبويه رحمه الله:"إذا قلت ما أتانى رجل فإنه يحتمل ثلاثة معان أحدها أن تريد أنه ما أتاك رجل واحد بل أتاك أكثر من واحد والثاني ما أتاك لاجل فِي قوته ونفاذه بل أتاك الضعفاء والثالث أن تريد ما أتاك رجل واحد ولا أكثر من ذلك فإن قلت ما أتانى من رجل كان نفيا لذلك كله"هذا معنى كلامه والحاصل منه أن"من"فِي سيلق النفى تعم وتستغرق.