وقول الحق سبحانه: {هُنَالِكَ} يعني: في هذا الوقت، أو في هذا المكان. والزمان والمكان هما ظَرْفَا الحدث؛ لأن كل فعل يلزم له زمان ومكان، فإن كان الزمان هو الغالب، فيأتي ظرف الزمان، وإذا كان المكان هو الغالب فيأتي ظرف المكان.
وجاءت {هُنَالِكَ} أيضاً في قصة سيدنا زكريا عليه السلام، إذ يقول الحق سبحانه: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38] .
أي: في ذلك الوقت الذي قالت فيه مريم رضي الله عنها قولةً أدَّت بها قضية اعتقادية إيمانية لكفيلها، وهو سيدنا زكريا عليه السلام وهو الذي يأتي لها بالطعام، وشاء لها الحق سبحانه وتعالى أن تعلِّمه هي. يقول سبحانه: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [آل عمران: 37] .
والرزق ما به انتفع، وكان زكريا عليه السلام يكفلها بكل شيء تحتاجه، لكنه فوجئ بوجود رزق لم يَأت هو به؛ بدليل أنه قال: {أنى لَكِ هذا} [آل عمران: 37] .
وهذه ملحظية ويقظة الكفيل حين يجد مكفوله يتمتع بما لم يأتِ به. وهذه هي قضية «من أين لك هذا» ؟، وهي قضية الكفيل العام للمجتمع حين يرى واحداً يتمتع بما لا تؤهله له حركته في الحياة، وبذلك يُكشف مختلس الانتفاع بما يخص الغير دون أن يَعرف كافله، ولو أن كافله أصرَّ على معرفة من أين تأتي مصادر دخله؛ لَحَمى المجتمع من الفساد.
وانظر إلى جواب مريم عليها السلام على قول زكريا عليه السلام الذي ذكره رب العزة سبحانه: {أنى لَكِ هذا} [آل عمران: 37] .
قالت مريم: {هُوَ مِنْ عِندِ الله} [آل عمران: 37] .
ثم تعلَّل الجواب: {إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] .