{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) }
فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغي، فإن الجهل مرض شفاؤه العلم والهدى. والغي مرض شفاؤه الرشد، وقد نزه الله سبحانه نبيه عن هذين الداءين. فقال:
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) } .
ووصف رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال:"عَلَيْكُمْ بِسُنّتِي وسُنَّةِ اَلْخْلَفَاءِ الرَّاشِدينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي".
وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة، وشفاء تاما لما في الصدور، فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه ومن لم يستشف به فهو كما قيل:
إذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظَنَّ أنّهُ ... نَجَا وَبِهِ الدَّاءُ الّذِي هُوَ قَاتِلُهْ
وقال تعالى {وَنُنَزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالمِينَ إِلا خَسَارًا} [الإسراء: 82]
والأظهر أن"من"هاهنا لبيان الجنس، فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين.
(فائدة)
قوله تعالى: {يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين}
فَعم بِالْمَوْعِظَةِ والشفاء وَخص بِالْهدى والمعرفة فَهُوَ نَفسه شِفَاء استشفى بِهِ أوْ لم يسْتَشف بِهِ وَلم يصف الله فِي كِتَابه بالشفاء إِلَّا الْقُرْآن وَالْعَسَل فهما الشفاآن هَذَا شِفَاء الْقُلُوب من أمراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها، وَهَذَا شِفَاء للأبدان من كثير من أسقامها وأخلاطها وآفاتها وَلَقَد أصابني أيام مقَامي بِمَكَّة أسقام مُخْتَلفَة وَلَا طَبِيب هُنَاكَ وَلَا أدوية كَمَا فِي غَيرهَا من المدن فَكنت استشفي بالعسل وَمَاء زَمْزَم ورأيت فيهمَا من الشِّفَاء أمرا عجيبا، وَتَأمل إخباره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَن الْقُرْآن بِأَنَّهُ نَفسه شِفَاء وَقَالَ عَن السعل {فِيهِ شِفَاء للنَّاس} وَمَا كَانَ نَفسه شِفَاء أبلغ مِمَّا جعل فِيهِ شِفَاء وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع استقصاء فوائد العسل ومنافعه.