{فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ}
تفريع على ما تقدم من المحاورة، أي فتفرع على ذلك أن فرعون وملأه لم يؤمنوا بموسى لأن حصر المؤمنين في ذرية من قوم موسى يفيد أن غيرهم لم يؤمنوا وهو المقصود، فكانت صيغة القصر في هذا المقام إيجازاً.
والتقدير: تفرع على ذلك تصميم على الإعراض.
وقد طوي ما حدث بين المحاورة وبين تصميمهم على الإعراض، وهو إلقاء موسى عصاه والتقامُها ما ألقوه من سحرهم، لعدم تعلق الغرض ببيان ذلك إذ المقصود الإفضاء إلى أنهم صمموا على الإعراض لأن ذلك محل تمثيل أعمالهم بحال مشركي أهل مكة.
وفعل {آمن} أصله (أَأْمن) بهمزتين: إحداهما أصلية في الكلمة لأن الكلمة مشتقة من الأمانة، والثانية همزة مزيدة للتعدية، أي جعله ذَا أمانة، أي غير كاذب فصار فعل {آمن} بمعنى صدّق، وحقه أن يعدى إلى المفعول بنفسه ولكن عدي باللام للتفرقة بين (آمن) بمعنى صدّق من الأمانة وبين (آمن) بمعنى جَعله في أمن، أي لا خوف عليه منه.
وهذه اللام سماها ابنُ مالك لامَ التبيين وتبعه ابن هشام، وهي تدخل على المفعول لتقوية معنى المفعولية، ويؤكد قصد التقوية في مثل فعل (آمن) بمعنى صدّق دفعُ أن يلتبس بفعل (آمنه) إذا جعله في أمن وسيأتي في قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك} في سورة [الإسراء: 90] .
وقد يعدى بالباء لتضمنه معنى صدّق كما في قوله تعالى: {قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} [يونس: 90] .
والذرية: الأبناء وتقدم في قوله: {ذُرية بعضها من بعض} في سورة [آل عمران: 34] .
أي فما آمن بما جاء به موسى إلا أبناء بني إسرائيل ولم تبلغ دعوته بقية قومه أو لم يؤمر بالتبليغ إليهم حينئذٍ.