(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
دَارُ السَّلامِ هِيَ الْجَنَّةُ وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّلامَ هُوَ اللَّهُ, وَهِيَ دَارُهُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ
وَالثَّانِي: أَنَّهَا دَارُ السَّلامَةِ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِهَا فِيهَا السَّلامُ. ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ جَمِيعَ حَالاتِهَا مَقْرُونَةٌ بِالسَّلامِ, فَفِي ابْتِدَاءِ دُخُولِهِمْ: {ادخلوها بسلام} وَحِينَ اسْتِقْرَارِهِمْ: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ باب سلام} وكذلك قوله: {إلا قيلا سلاما سلاما} . وَعِنْدَئِذٍ رُؤْيَةُ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يلقونه سلام} .
عَزَّتِ الدَّارُ وَجَلَّ الْمَرَامُ, وَنَالَ سَاكِنُهَا فَوْقَ الْمَرَامِ, فَيَا مَشْغُولا عَنْهَا بِأَضْغَاثِ أَحْلامٍ, وَصَلَ كِتَابُ الْمَلِكِ الْعَلامِ {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} .
دَارُ الإِعْزَازِ وَالإِكْرَامِ, بُنِيَتْ لِقَوْمٍ كِرَامٍ, لا غُرْمَ فِيهَا وَلا غَرَامَ, مَا يَسْكُنُهَا مَنْ يُضَامُ, ثَمَنُهَا يَا مُشْتَرِي بَيْنَ: صَلاةٍ وَصِيَامٍ, نَعِيمُهَا فِي دَوَامِ لَذَّاتِهَا فِي تَمَامٍ, وَالْحُورُ فِي الْقُصُورِ وَالْخِيَامِ, شَهَوَاتُهَا لَمْ تَخْطُرْ عَلَى الأَوْهَامِ, انْتَبِهُوا لِطَلَبِهَا يَا نِيَامُ, قَدْ جَمَعَتْ كُلَّ مُشْتَهًى وَزَادَتْ عَلَى كُلِّ الْغَرَضِ الْمُنْتَهَى, عَجَبًا لِمَنْ غَفَلَ عَنْهَا وَسَهَا, انْهَضْ لَهَا يَا غُلامُ {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} .
(أَمَا آنَ يَا صَاحِ أَنْ تَسْتَفِيقَا ... وَأَنْ تَأْتِيَنَّ الْحِمَى وَالْعَقِيقَا)
(وَقَدْ ضَحِكَ الشَّيْبُ فَاحْزَنْ لَهُ ... وَصَارَ مَسَاؤُكَ فِيهِ شُرُوقَا)
(وَرَكْبٌ أَتَاهُمْ وَقَدْ عَرَّسُوا ... عَلَى الْقَاعِ رَاعِي الْمَنَايَا طَرُوقَا)
(يدير عليهم كؤوس الْمَنُونِ ... صَبُوحًا عَلَى كَرْهِهَا أَوْ غَبُوقَا)
(وَمَا زَالَ فِيهِمْ غُرَابُ الْحِمَامِ ... يُسْمِعُهُمْ لِلْمَنَايَا نَعِيقَا)
(وَيَحْجِلُ فِي عَرَصَاتِ الْقُصُورِ ... حَتَّى أَعَادَ الْفُسَيْحَاءَ ضيقا)