(فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ(116)
«فإن قلت» : هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟
قلت: إن جعلته متصلا على ما عليه ظاهر الكلام، كان المعنى فاسدًا، لأنه يكون تحضيضًا لأولى البقية على النهي عن الفساد، إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول:
هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا، كان استثناء متصلا ومعنى صحيحًا، وكان انتصابه على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ) أراد بالذين ظلموا: تاركي النهي عن المنكرات، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرياسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنيء. ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم. وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي، واتبع الذين ظلموا، يعني: واتبعوا جزاء ما أتوفوا فيه.
ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة: أنهم اتبعوا جزاء إترافهم. وهذا معنى قويّ لتقدم الإنجاء، كأنه قيل: إلا قليلا ممن أنجينا منهم وهلك السائر.
«فإن قلت» : علام عطف قوله (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) ؟
قلت: إن كان معناه: واتبعوا الشهوات، كان معطوفًا على مضمر، لأنّ المعنى إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، واتبع الذين ظلموا شهواتهم، فهو عطف على نهوا. وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإتراف، فالواو للحال، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم.
«فإن قلت» : فقوله (وَكانُوا مُجْرِمِينَ) ؟
قلت: على أترفوا أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين، لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام.
أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر.
أو على اتبعوا، أي اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك.
ويجوز أن يكون اعتراضًا وحكما عليهم بأنهم قوم مجرمون. انتهى انتهى {الكشاف، للزمخشري} ...