قوله تعالى: {قَالَ يا قوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن ربي}
أي على يقين؛ قاله أبو عِمران الجُونيّ.
وقيل: على معجزة؛ وقد تقدّم في"الأنعام"هذا المعنى.
{وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} أي نبوّة ورسالة؛ عن ابن عباس؛ وهي رحمة على الخلق.
وقيل: الهداية إلى الله بالبراهين.
وقيل: بالإيمان والإسلام.
"فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ"أي عمِيت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها.
يقال: عَمِيتُ عن كذا، وعَمِي عليّ كذا أي لم أفهمه.
والمعنى: فَعمِيت الرحمةُ؛ فقيل: هو مقلوب؛ لأن الرحمة لا تَعمَى إنما يُعمَى عنها؛ فهو كقولك: أدخلت في القَلَنْسُوة رأسي، ودخل الخفُّ في رجلي.
وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي {فَعُمِّيَتْ} بضم العين وتشديد الميم على ما لم يُسمَّ فاعله؛ أي فعمّاها الله عليكم؛ وكذا في قراءة أُبيّ"فعَمَّاها"ذكرها الماورديّ.
{أَنُلْزِمُكُمُوهَا} قيل: شهادة أن لا إله إلا الله.
وقيل: الهاء ترجع إلى الرحمة.
وقيل: إلى البينة؛ أي أنلزمكم قبولها، وأُوجبها عليكم؟ ا وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها؛ وإنما قصد نوح عليه السلام بهذا القول أن يردّ عليهم.
وحكى الكسائيّ والفرّاء"أَنُلْزِمْكُمُوهَا"بإسكان الميم الأولى تخفيفاً؛ وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد:
فاليومَ أَشربْ غيرَ مُستَحْقِبٍ ... إِثْماً مِنَ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ
وقال النحاس: ويجوز على قول يونس في غير القرآن أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر؛ كما تقول: أنلزمكم ذلك.
{وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها.
قال قتادة: والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك.